|
المعرض الفني "الأرض والإنسان والهوية"
افتتح الدكتور القس متري الراهب مساء يوم الخميس 11/8/2005 المعرض الفني "الأرض والإنسان والهوية" في مرافق دار الندوة الدولية. بعد ترحيبه بالحضور والفنانين المشاركين، أكد القس متري أن هذا المعرض لم يسعى بتمويل من جهات تفرض التطبيع والسلام العاجل، بل هو مشروع يعتمد على رؤيا ومبادرة وإدارة وتنفيذ كوادر فلسطينية بحتة.
لقد تم الإعلان عن فرصة المشاركة في هذا المشروع منذ شهر آذار لهذا العام، ولقد تم تلقي العديد من الطلبات من داخل البلاد ومن خارجها. خلال شهر حزيران، تم تشكيل لجنة من كوادر دار الندوة الدولية، وتم اختيار ستة فنانين فلسطينيين وستة آخرون إسرائيليون. لقد تم اختيار الفنانين بناءا على إبداعهم وفكرة العمل المنوي إقامته للمعرض وعلى إيمانهم بضرورة انتهاء الاحتلال من القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وبالحق الفلسطيني بتقرير المصير وبالمساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في حالة حلول دولة واحدة أو دولتيْن متجاورتيْن. لم تتوقف طلبات الفنانين عن الورود إلى منسقي المعرض، بل بالعكس، مع اقتراب موعد المعرض ازدادت طلبات الفنانين، البعض منها كان مناسب جدا وذا عمق يصعب تجاهله، وبالتالي تم قبول أربع مشاركات أخرى. وبالنهاية، شارك في المعرض ثمانية فنانون فلسطينيون وثمانية فنانون إسرائيليون. ثلاثة من الفلسطينيين يحملون الهوية الفلسطينية واثنان يحملون هوية القدس، وثلاثة آخرون يحملون الهوية الإسرائيلية. أما الفنانون الإسرائيليون فلهم نفس الهوية بغض النظر عن مكان سكناهم. لقد استخدم الفنانون وسائل متعددة وخامات مختلفة للتعبير عن رؤيتهم وإيصال أفكارهم للمشاهد. كما ولقد تناولوا مواضيع خاصة وعامة، إنسانية وسياسية. فمثلا، يقدم لنا سامي بخاري، من يافا، صور فوتوغرافية لبقايا الصبار في قرية جنداس الممحية من الوجود، بينما يظهر في الأفق امتداد لمدينة اللد الحديثة "الإسرائيلية" السكان.
في الوقت الذي يوثق فيه سامي بقايا جذورنا ورموز صمودنا وملامح بقائنا، تتعمق منار الزعبي، من الناصرة، بقضية ال "ما بين بين". "ما بين بين" هو عنوان عمل فيديو تعرضه منار في أحد كهوف صالة العرض، وهو عمل يتحاور مع النفس والذات عن حالة "البين بين" التي قد تكون لها علاقة بالسياسة، أو بالمكان، أو بالجسد، أو بالنفس، أو بالمرأة، أو بالفلسفة والوجود. وتقوم عايدة نصرالله من أم الفحم بتمديد سلك شائك كالمستخدم على الحواجز الإسرائيلية في رحاب صالة العرض والكهوف، وبذلك فهي تصعّب الحركة والتجوال للزائر. عايدة تتحدث عن صعوبة الحركة والمرور والتواصل بين الأنا والآخر وبين الأنا والأنا.
وبينما تستصعب عايدة التواصل تؤكد خلود أبو صبيح على هوية وتاريخ القدس. فخلود، من القدس، تعود بنا إلى معالم وهوية القدس الكنعانية، وتمر بالعصر الروماني، فالفترة المسيحية، فالإسلامية، ولغاية العصر المملوكي، مقدمة لنا 7 لوحات ضخمة منحوتة بعناية ولها طابع القدم والأنتيكا، إصرارا على أن القدس كانت وكان بها حضارات أقدم من ثلاثة آلاف سنة (وهي بداية التواجد اليهودي في القدس). بالحوار مع هذا العمل الذي يبحث في التاريخ القديم، تعرض لنا نادرة الأعرج خلاصة بحثها في التاريخ المعاصر، وبالأخص تاريخ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية. فتشبه نادرة، من بيت لحم، قرارات الأمم المتحدة بلعبة الورق، فهي أرقام وجواكر مرتبة مع بعضها البعض بغض النظر إن كان لها معنى أو لا... ويعود أنس دويك، من القدس، ويؤكد صمودنا وتشبثنا في أرضنا وهويتنا من خلال جدارية خزف ضخمة مرصوفة على أرضية صالة العرض، تصور تلاحم الإنسان بالشجر وتشبثها بالأرض، العمل بعنوان "الأشجار تموت واقفة" أما سماهر الرومي، من مخيم عايدة في بيت لحم، فتتساءل عن مصداقية السلام في الوقت الذي كًثُرَ فيه الشهداء وكثرت المآسي الإنسانية، وذلك من خلال عمل خزفي.
وكذلك فيرا عمر، من بيت جالا، فمن خلال رسوماتها تعبر عن المشاعر المتخبطة نتيجة للرحيل والانكسار والكفاح آملة أن تكون العودة سريعة ومبشرة بانطلاقة ومستقبل أفضل. أما الفنانون الإسرائيليون فغالبتهم استخدم التصوير الفوتوغرافي كأداة لتقديم أعمالهم الفنية. البعض استخدم الكاميرا للتوثيق، مثلا جاستون تسفي أيكوفيتش، المولود في الأرجنتين والذي يسكن حاليا في تل أبيب، يصور الطبيعة الخلابة ويوثق المراحل الأولى من اغتصابها والتنكيل بها لمصلحة إقامة المستوطنات. إنه لمنظر تقشعر له الأبدان، كيف يتم تشويه هذه الطبيعة وتقديمها على أطباق من ذهب لمتطرفين لم يولدوا من ترابها. وكذلك أوسنات بارأور، من بردس حنا، تستخدم الكاميرا لتوثيق "الشوميرات" وهي بيوت الحراسة في الحقول. بيوت الحراسة هي شيء تقليدي ومذكور في التوراة، وهي تستخدم من قبل كافة المزارعين بغض النظر عن ديانتهم أو عن هويتهم، وذلك لأنها ضرورية لحماية المزارع والمحصول والحقل. ولكن من خلال كاميرتها، تقوم أوسنات بإظهار الفوارق بين بيوت الحراسة الفلسطينية والإسرائيلية. ففي الوقت الذي تكون فيه بيوت الحراسة الفلسطينية مزخرفة ومزينة وتشبه البيوت السكنية، تتصف "الشوميرات" الإسرائيلية بجمودها وصلابتها وكأنها أبراج حراسة عسكرية.
وتقدم لنا هيليت ليبلر، من تل أبيب، ما يشبه ألبوم صور شخصي قامت بجمعه نتيجة لرحلة استكشافية للمناطق الفلسطينية. فحسب القانون الإسرائيلي، لا يجوز لهيليت الإسرائيلية الدخول إلى والتجوال في القرى والمدن الفلسطينية. وبالرغم من ذلك، شاركت هيليت في ورشة عمل فكرية كان الهدف من عقدها تمكين الإسرائيليين من التعرف عن كثب على حياة الفلسطينيين في المناطق المحتلة، ومن خلال هذه الورشة، حلّت هيليت ضيفة على عائلات فلسطينية تسكن في قرى في منطقة القدس وفي الضفة الغربية. فتقدم لنا هيليت ما جمعته من تجارب ومشاعر وخبرات ومناظر عن الآخر "الفلسطيني"، وتعرضه بطريقة لا يمكن وصفها إلاّ بالخصوصية و الحميمة. أما رونين أيدلمان، من يافا - تل أبيب، فهو أيضا يتحدث عن الآخر "الفلسطيني"، ولكنه يقدمه لنا بطريقة يسخر بها من السلطات الإسرائيلية. فهو يصور أطفال قرية بلعين الواقعة غربي رام الله، ويعرضهم في ملصقة (بوستر) على أنهم مطلوبين لجهاز المخابرات الإسرائيلية. فهؤلاء الأطفال الذين يتظاهرون أسبوعيا مع أهاليهم وفي قريتهم احتجاجا على إقامة جدار العزل العنصري على أراضيهم ومصادرة أكثر من نصف أراضي القرية، يعتبرون خطرين ويهددون أمن دولة إسرائيل.
وكذلك شاحاف هابر، من تل أبيب، يقدم لنا ثلاث صور فوتوغرافية، اثنتيْن منها لا يمكن وصفها إلاّ بالساخرة. ففي إحدى الصور، يصور شاحاف عارضة أزياء ترتدي تنورة عليها صورة الحاصل على جائزة نوبل للسلام ياسر عرفات وتقف في ساحة رابين في تل أبيب، وكأنه يتساءل عن مصداقية أو ماهيه هذه الجائزة أو هذا السلام أو مصير هؤلاء المعظّمين.
أما أورنة نويمان، المقيمة حاليا في بريطانية، فتقدم لنا مخطط لعمل تركيبي وهمي تدعو فيه الفنان العالمي كريستو أن يلف حدود ال67. وكجزء من هذا المخطط تعرض لنا أورنة صورة محزنة للغاية، إنها صورة للجدار العملاق الممتد بلا نهاية، ولكن به فتحة نتيجة لغياب إحدى وحداته الإسمنتية الطولية، ومن خلال هذه الفتحة الضيقة يمر طفل صغير وقصير القامة مع انعكاس جميل لظله الطويل مبشرا بأمل بعيد في الأفق. وبالنسبة لليؤر نايجر، المقيم في الولايات المتحدة، فهو يستعرض الوضع في العالم بشكل عام، فهو ينبه ويذكر بأن هنالك صراعات وخلافات في العديد من المناطق في كافة أرجاء العالم. يائل أورن زلايت، من بردس حنا، تقدم عمل تركيبي تختلط عناصره بين الرسم بقلم الرصاص والحبر واستخدام مواد موجودة في الطبيعة. ترسم يائل نفسها عارية ومعتمرة قبعة موشيه ديّان، وهو مهندس حرب 1967، وتكتب عبارة "إنها أنا من تتندم وتفتقد". وترسم غصن زيتون، وهو رمز للدولة الإسرائيلية، ويتسلق عليه بعض الجنود وكأنهم مصلوبون. وأيضا تعرض ثوب دراسة مرسوم عليه بلون الدم خارطة الدولة المتنازع عليها بشكل انعكاس مرآة ومكتوب " أبق بعيدا عن النار". وتقدم أيضا يائل للمشاهد مِنْظار يمكن النظر من خلاله ولكن بدون اكتشاف أي شيء فكل ما يراه المشاهد من خلال فتحة المنظار هو قدميه وموضعه الذي يقف عليه.
لطالما كان الفنان سابق لعصره ومتطلع للمستقبل، فلمثل هذا المعرض أهمية فائقة في كونه منصة ديمقراطية يقام عليها حوار بين وجهات النظر المختلفة للفنانين حول ما هية الهوية والصلة التي تربط بين الإنسان والأرض والهوية. هذه المواضيع العقيمة التي لم يتمكن السياسيون من فهمها، قد يستطيع الفنان التعمق بها والعمل معها وتقديمها للجمهور بصورة تختلف عن المتعارف عليه المبهم، لعله في يوم من الأيام يحدث التغيير الجذري المطلوب.
|